عجوز عرجاء ..

 

ذات يوم وأنا أتجول في الأرجاء أخذت أنظر يمنة ويسرة، كما هي عادتي أتأمل جمال هذا الكون من حولنا وان صح القول أتأمل حاله ..

عن يميني طفل يركض ويكاد يصل إلى قارعة الطريق ليلحق به والده وينقذ روحه البريئة، فينظر ذلك الطفل الى والده وكأن لسان حاله يقول: “دعني يا أبي فلن يقع لي مكروه فأنا استمتع بوقتي كثيراً” فتجيب عينا الأب قائلتا: “لا يا بني فأنت لا تعلم ما هي المخاطر الموجودة حولك ولطالما حييت فأنا هنا لأنقذك إن كدت أن تهفو في أحد فجوات الحياة هذه”. 

نظرت عن شمالي لأرى منظراً اقشعر جسدي منه .. عجوزٌ ظهرت ملامح الزمن على وجهها، متكئة على عكازها أثناء سيرها تنظر هي أيضاً لذلك الأب مع ابنه لتقول في نفسها: “يا فتى احمد الله على هذا الوالد فانظر الى حالي ومنقذي هو جماد (العكاز) قد يختفي في لحظة، فإن ظهرت فجوة أمامي فجأة لن يستطيع (العكاز) تحذيري منها ..

اغرَورَقت عيناي من جمال المشهدين ومن الحديث الذي دار بينهما في صمت .. وفي منتصف تلك اللحظات اذا بي امعن النظر جيداً في تلك العجوز لأجد أنها روحي، نعم روحي وقد انحنى ظهرها .. ركضت نحوها وارتميت على ركبتاي وقلت لها: “أرجوكي اصعدي على كتفاي .. اصعدي فأنا سآخذك إلى بر الآمان” .. حينها خارت هي الآخرى ولم تعد قدماها قادرتان على حملها لدقيقة أخرى .. دون طوع منها وإنما خاضعة لضعفها صعدت على كتفاي وركضت بها في هلع مني لأنقذها من الألم الذي بها.

فجأة سقطنا أنا وهي أرضاً، فلم أعد أستطيع أن أركض بها وهي على كتفاي .. فلست أملك قدراً عظيماً من القوة كما تُخيِّل لي.

حينها بكل قناعة ومن داخل حجيرات قلبي آمنت أننا لا شيء .. نعم لا شيء وإن غرتنا القوة البسيطة التي وضعها المولى فينا.

لابد أن نركض من أنفسنا ومع أرواحنا إلى الباري سبحانه في كل مرة شعرنا بضعفنا بل وحتى قبل أن نصل إلى هذا القدر من الضعف.

دمتم في حفظ الله ورعايته..

أطيب تحية..                                                                                                                       امتنان برناوي

قلبي .. عذراً

 

أتوجه إليك بهذا الخطاب .. شديد اللهجة .. فلم أستطع أن اصمت على ما تفعله بي أكثر من ذلك.

لقائي بك ابتدأ وأنا في تلك الظلمات الثلاث (رحم والدتي والذي تمركز بين أحشائها ملتفة بدرع المشيمة) حينما دبت فيك الروح وجسدي كان لا يزال لم يكتمل حتى تكوين الثلث الأول منه.. ومن هناك انطلقت العلاقة بيننا .. تطورت ونشأت ومرت بكل المراحل التي تمر بها أي علاقة.

 

تارة تقرر أن تعيش السعادة فلا يكون لي خيار سوى موافقتك على ذلك القرار فهو يعد من أجمل القرارا وأسلمها.. فنعيش تلك اللحظات في تناغم شديد لدرجة أني أشعر بك وأنت تتراقص خلف تلك المدرعات الحامية لك (القفص الصدري)..

وتارة أخرى تسلك طريق الظلمة وتعيش البؤس إما لأن الذاكرة المحفورة بين زواياك أدت بك إلى ذكرى مؤلمة، وإما لأن هناك موقف حديث آلمك كثيراً.. وهنا دون طوعي ودون رغبة مني أضطر لأجاريك وأتقمص تلك التعاسة وجرعات الألم المتتالية، لأن الأصدقاء بينهم عهد لا يكاد يخلف به أحدهم ..

قلبي .. فؤادي

بكل أسف أود أن أطلعك على الخبر التالي.. ذلك العهد الذي بيننا والذي دام أكثر من عقدين سأكون أنا من يفتك به ويلقي به عرض الحائط ..  لماذا ؟؟ لأنك تماديت في أفعالك …

ما بالك أصبحت تتفنن في الإبحار في زوايا البؤس تلك .. نعم أدرك تماماً أن هناك أركان اجبارية لابد أن نمر عليها شأنا أم أبينا وهذه لا اعتراض عليها فأنا أعلم جيداً أنها من لوازم الحياة .. أما تلك الزوايا الجانبية والإضافية والتي تجترني إليها دون علمي ومن دون رغبة مني فلن أستطيع أن أزورها معك بعد هذه اللحظة.

سأضطر أن أتخلى عنك عند تلك الزوايا وحسب ..

هل تسمعني جيداً ..

أنا لا أشاورك وإنما اطلعك بالأمر فكما أننا دخلنا في عهد الصداقة هذا طوعاً منا وبكل حب ورضا .. فليس لديك سوى أن تحترم قراري هذا وإلا بكل أسف سأضطر أن أتركك مؤبدا لأعيش بالطريقة التي أريد بل لأجد صديقاً آخراً مستعد أن يعيش معي لحظات السعادة لأقصاها وكذلك إن اضطررت لعيش التعاسة يجاريني وأجاريه في ذلك دون التفنن وطرق الزوايا التي لا ينبغي أن تطرق ..

أعتذر منك وبشدة على أحدنا أن يتخذ القرار .. أنا من سأفعلها هذه المرة ..

تذكر أني احبك فأنا احتضنك في صبحي، مسائي وليلي بقوة شديدة.

 

أطيب تحية ..                                                                                                                                                                                            امتنان برناوي

متهور عَكّر علي صفوي، ولكن ..

أشرقت الشمس بنور ربها .. وكأنها تقول لي انهضي من فراشك فهناك يوم حافل في انتظارك … هناك الكثير والكثير من المهام التي يبنغي عليك انجازها والانتهاء منها ..

ارتديت ملابسي في ذلك الصباح المتجمد .. وقبيل أن اخرج من باب المنزل اذا بي أنظر من النافذة لأجد أن الأرض قد كساها اللون الأبيض فقد انهمر الثلج ونحن نيام تحت دفئ ألحفتنا .. حملت عدتي وخرجت من منزلي ..

وأنا في قمة استعدادتي مرتدية أفضل ما لدي والبسمة قد ارتسمت على وجهي فأنا منطلقة في مهمة يحبها قلبي ويستمتع بها عقلي وجسدي ..

بعد كل ذلك وأنا واقفة محاولة تحديد وجهتي بشكل دقيق .. اذا بها سيارة مسرعة في تهور من سائقها تمر أمامنا، ولم يكتفي صاحبها بذلك .. لم يفزع قلوبنا وحسب بل غطى أجسادنا بالماء القذر الممزوج ببعض من الطين .. نعم تخيل صديقي القارئ في تلك الأجواء المتجمدة وأنت في أبهى حله فجأة ومن دون انذار يأذن لنفسه احدهم ليعكر عليك صفوك بل يحول جسدك إلى قطعة من اللحم المتجمد ..

في تضجر مني أخذت بعضي، قطعت الطريق وصعدت الباص الذي يعديني إلى منزلي .. في تلك اللحظات وانا هناك جالسة تحدثت إلى والدتي وقصصتي عليها القصة وإذا بها تعطيني اجابة لا أنكر أني تظجرت منها في بادئ الأمر إلى أني تقبلتها تماماً في النهاية .. قالت ( قولي الحمد الله ما لطشكم ) هذا يعني احمدي المولى أنه لم يدهس أجسادكم في طريقه ..

ترجلت من ذلك الباص وعدت لأكمل طريقي سيراً على الأقدام .. اختل توازني بسبب ذلك الثلج المترسب على الأرض والذي تحول إلى قطعة خطيرة لمن لا يحذر في سيره .. حينها ودون أن أشعر ابتسمت وقلت الحمد لله أني لم أقع ولعل اختلال التوازن جعلني اتأخر لثواني معدودة فقد يكون المولى صرف عني شراً كان ينتظرني .. لا أنكر أن شياطين النفس كانت تقول ( ايش اليوم هذا ) ولكن لم القي لها بالاً بتاتاً ..

سبحان الله كيف بنا نكتسب الكثير ممن حولنا ونحن لا نشعر .. لا أخفيكم أمرا أنني وطوال العقدين من حياتي لطالما أرادت أمي أن تغرز ذلك الأمر في عقلي (محاولة اكتشاف الجزء المشرق من العقبات) ، ومن هنا أقول لها .. شكراً، وانظري لقد وفقتي في تلك المهمة.

إن أردت أن تنشر صفة حسنة فيمن حولك اكتفي بتطبيقها وهم في المقابل ينظرون اليك مراراً وتكراراً لتجد في يوم من الأيام أن هناك نسخ مكررة منك أينما ذهبت .. ولكن حذاري من استخدام اللسان في ذلك.

 لا تكتفي بترديد الكلام وافعله أمامي .. لأراك، واتعلم منك ثم اطبق ..

أطيب تحية ..                                                                                                                                                   امتنان برناوي

 

لولا النسيان لما كنت هنا الآن

أنا الآن في مرحلةِ التحضير للحصول على أحدِ الرخص الطبية والتي تأهلني باذن الله لإكمال مشواري العلمي ومن ثم العودة إلى أرضِ الوطن للنهوض بمهنتنا أكثر وأكثر باذن من المولى عز وجل .. طوال العام المنصرم كثيراً ما كان يزورني الضجر فأتزمجر كل ذلك لأني أكون قد اجتهدت في الاستذكار و التحضير لموضوع معين مسبقاً لأفاجئ بعدها أن النسيان قد تغلب علي ومحى ما اجتهدت في حفره بل وسهرت اللليالي من أجله، نعم في كل مرة أتضجر أكثر من المرة التي قبلها ..

ذات يوم حينما استيقظت وجدت أن أول ما نطق به لساني هو  “الحمد لله الذي رزقنا نعمة النسيان وإن كان يؤلمنا ذلك أحيان “ !!!!!!!!!!

أرى علامات التعجب وقد ارتسمت عليك صديقي القارئ  ولكن دعني اقل لك لماذا لعلك أنت أيضاً تحمد المولى في هذه اللحظة بقدر ما حمدته في تلك الليله وكل ليلة من بعدها ..

على غير العادة في منتصف أحد الليالي رن هاتفي .. شعرت بقلق شديد حينها، حاولت جاهدة تجاهله وابداله ببعض من الأمل و التفائل ولكن للأسف لم يكن هناك مجال لفعل ذلك .. انها والدتي تزف لي فاجعة ……….. وفاة خالي الشاب و بشكل مفاجئ ..

شهقت شهقة ظننت انها الأخيرة، لم استطع أن أتمالك نفسي حينها وبكيت بكل حرقة .. اجتمع ألم الفاجعة وألم الغربة ..

وبطبيعة الحال لم يستمر ذلك مطولاً حتى حاولنا جاهدين العودة الى مسار حياتنا وان صح القول التمثيل بالعودة وكأن شيئا لم يكن .. مرت الأيام ولكن لم ينقضي سوى اسبوعان حتى نزلت فاجعة أخرى .. أمي وللمرة الثانية تخبرني برحيل خالي الأخر ..

                      .. نعم فقدنا اثنان ..

ويحكم أليس النسيان نعمة تستحق أن ننهض من فراشنا لنحمد الله عليها و في كل حين … ان لم يكن النسيان فكيف لقلمي أن يمتثل أمامكم الآن وكأن شيئا ما كان ..

 

في الخلاصة ..

 قد نتضجر من النواقص وبشكل متكرر فهذه هي طبيعتنا نحن البشر، تماما كما حصل معي حينما ظننت خلال العقدين من عمري وحتى تلك اللحظة أن النسيان نقمة  ..

لنتعلم النظر الى نصف الكوب الممتلئ بقدر ما استطعنا  بل ولنبحث عن الجزء الايجابي في تلك النواقص فلم يخلق المولى عز وجل شيئا عبثا ..

.. فالحمد لله على جميع نعمه حتى وإن جهلنا الحكمة خلفها الآن  ..

 

أطيب تحية..                                                                                                                               امتنان برناوي

 

كل خوفٍ مورّث

        كثيراً ما يواجهنا الموقف التالي، نمر به تارة ونساهم فيه حينما يمر به غيرنا تارة أخرى ..

أحد الأشخاص يخاف حد الهلع من أمر ما ونجد أبواه لا يلقيان لذلك بالاً بل أنهم قد يستخفان بالأمر و يستنكران ذلك حق الاستنكار .. لنقف قليلاً مستفهمين عما يلي !! يا ترى ممن تعلم وفي أي المدارس نشأ؟! بكل تأكيد أنتما أول معلمان واجههما في حياته، بل إن أول دور العلم التي ارتادها منذ أن كان في المهد مدارس التربية الخاصة بكما ..

ما الذي أرمي إليه!! أغلب ما يواجهه الآن قد أسهم فيه كلاكما بطرق شتى، نعم إنها الحقيقة. حتماً لن ننسى في حديثنا هذا كل مرب هناك في الخارج كائناً من كان.

الخوف هو أحد المشاعر التي يكتسبها الإنسان من البيئة، قف للحظة عزيزي القارئ وأعد تشغيل شريط حياتك (لا تنسى أيضاً ابريق الشاي) ثم ضع اصبعك على المواطن التي شعرت فيها بالخوف والهلع- الزائد عن المعدل الطبيعي- يتغلغلان في أوردتك واسئل نفسك ” ما مصدر كل ذلك؟! “ فقد ترى قرينك لا يحرك ساكنا في حال مر بنفس المؤثر الخارجي. ما العوامل التي ساعدت في تشكيل تلك المشاعر القوية داخلك؟! دعني أقولها لك مرة أخرى وبكل وضوح “البيئة والمحيط “..

إذا يا والد و يا والدة، في بادئ الأمر تذكروا أنتم من تورِّثون الصفات لأبنائكم إما عن طريق الجينات أو الاكتساب .. فانتبهوا لذلك جيداً. الأمر الآخر في حال أن المشاعر تسربت إليهم وتغلغلت اتوسل إليكم كفو عن الإشارة بأصابعكم نحو ذلك الابن الذي يكاد يختنق من كافة تلك المشاعر .. مُدُّوا اليه يد المساعدة وأول ما تكون في الدعم اللفظي والمعنوي ..

لماذا أصبح الأصل أن نكسبهم الخوف عاملين بالمبدأ ( من خاف سلم ) عوضاً عن توضيح المواقف في صورتها الحقيقة دون تهويل أو تعظيم ونترك لهم المجال ليكتشفوا العالم من حولهم – بتوجيه منكم – ثم يكونوا الانطباع المناسب بعد التجربة ..

نحن هنا لا نتحدث عن الخوف وحسب، وانما عن كل ما يمكن سكبه في تلك الأوعية الخاوية والمستَقبِلة .. من هذا المنبر أقول: شكرا أبي وأمي، فأنا لا أصاب بالهلع اليوم لأن هذا ما تشربته منكما.

انتبه عزيزي القارئ أنا لا أقصد الانفتاح التام فالكل يقدر حجم الخوف والقلق الذي يراود أولياء الأمور اتجاه أبنائهم .. كل وجل ما أقوله، اسمح لهم أن يخوضوا التجربة ليتعلموا فالإنسان كالعجين قابل للتشكل بحسب الظروف والعوامل من حوله  .. اعتقد البشر أن العجين لا ينقسم ولكن بلى والله إن استخدمنا القدر الخاطئ من القوة سوف يتجزأ ليس إلى قطعتين وحسب وإنما إلى أشلاء صغيرة ولن يجدي نفعاً النحيب بعد ذلك.

لنوجه ولكن قبيل ذلك لنصفِّد المشاعر داخلنا بالأغلال قبل أن تهرب إلى الآخر دون إدراك منا.

 

أطيب تحية ..

امتنان برناوي 

مدمنون وإن أنكرنا..

صديقي القارئ وكما هي العادة أصبحت أصارحك بالكثير وأشاركك التفاصيل ..  أريد منك معروفاً هلا شرحت لي كيف بنا أن نهاجم المدمنون من حولنا بكل عنف وقسوة ؟!

نعم أكرر سؤالي ذلك فأنا أعني ما قلت تماماً، وللتوضيح أقصد بهم من ابتلوا بالمخدرات بكافة أنواعها كتناول العقاقير .. التدخين وغيره. أنت تستنكر سؤالي ذلك ولكن فعلاً يتملكني الفضول، كيف بنا أن نقوم بهذا العمل ونحن لا نختلف عنهم بل قد نكون أشد سوءاً منهم، كيف ذلك؟!

بداية نحن نشابهم كثيراً في نقطة الإدمان إلى أن إدماننا سلك منحنى آخراً تماماً. داخل كل شخص فينا مدمن صغير، منا من أجاد إخافئه عمن حوله فظن الجميع أنه سوي، وآخر فشل في ذلك وظهرت عليه علامات الإدمان تلك، وبين الحين والآخر تتملكه الرغبة الجامحة في مزاولة طقوسه الخاصة والتي تزيل عنه آثار إنسحاب ما أدمن عليه  .. فمنا من أدمن وسائل التواصل الإجتماعي  .. وآخر أدمن الأشياء من حوله فهو على سبيل المثال لا يستطيع ارتشاف القهوة والتلذذ بطعمها لدرجة الخدر الكامل إلا في حال تناولها من ذلك الإناء أو في تلك البيئة بعينها .. وهناك آخر لن يداعب النوم عيناه إلا في حال التف جسده بقطعة القماش تلك التي اعتاد عليها منذ زمن، وهناك فئة لا نستطيع تجاهلها بتاتاً تلك التي أدمنت وجود البشر في محيطها فلن يبدأ يومها أو ينقضي إلا في حال أذنو لهم من حولهم بذلك، ويحكم ألا يعتبر ذلك إدماناً بل أشد الأنواع ضرراً ، والكثير مما قد يعجز قلمي عن سرده.

إذاً صديقي لنتوقف عن قذف ذلك المدمن الذي يقف في الزاوية هناك ولنترك السوط جانباً .. هل تعلم أكثر ما قد يؤلم أن نتداول هذه العبارة ” هو يستطيع أن يتوقف ولكن لم يبذل الجهد المطلوب ” حسبك فكيف بك أنت لم تتوقف .. قد منّ الله علينا حينما جعل إدماننا أقل ضررا علينا في الدنيا قبل الآخرة ولكن نحن لا تختلف عنه كثيراً فكل ذلك يندرج تحت مظلة واحدة وهي الإدمان ” الرغبة الجامحة في أمر ما مع المعاناة البالغة في حال التوقف والامتناع عنه”.

صديقي اسمح لي أن أشاركك سراً – اترك الحكم الشرعي جانباً لبرهة – على الرغم مما يراه العالم حولنا فأنا أعتقد أن هذا المدمن الذي يقذفه الكثير، هو أفضل منا بمراحل، لماذا؟! لسبب واحد لأنه في غالب الأمر هو مدرك تماماً لما يمر به والعديد منهم يقر بذلك وعلى وعي تام بأضرار ما يقوم به .. أما أنا وأنت ندمن بصمت وفي انكار تام، بل لا نعد ذلك إدماناً من الأساس لأن من حولنا قنن الإدمان في تلك الصورة واسهب في الحديث عنه في هيئته تلك ..

هو ما أن تنزل عليه الهداية حتى يعقد العزيمة وينطلق في رحلة التشافي والله عز وجل قد يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر .. ونحن لا زلنا في غفلة ونرتدي جلباب الانكار ذلك.

أختم حديثي قائلة .. في المرة القادمة حينما ننزوي قليلاً مع تلك النفس .. لنتسائل!! يا ترى أي إدمان نحن غارقون فيه الآن ؟! بل أي أنواع العنف التي أمارسها معك يانفس؟! حدثيني بذلك لعلي أصحوا من غفلتي لأتدارك الموقف ..

 

أطيب تحية .. 

امتنان برناوي 

   اشتد عناقي له !!

 

كما هي العادة أعلن ذلك الصباح قدومه حينما أطلق الهاتف صرخات التنبيه تلك والتي باتت جزء منا أنا وأنت، ولكن مهلاً لحظة …..

هي لم تكن كغيرها بل ذلك الصباح تفرد عن سواه كأنه كان يخافتني قائلاً: “إني أحمل معي أحد أعظم الأيام التي قد تمر عليك” .. نهضت وأنا معانقته وبكل ما أوتيت من قوة مما جعل الحيرة تطغى على ملامحه مستفهماً عن كل تلك المشاعر الفياضة.

أخبرته التالي .. أني في كل حال أستيقظ معظم أيامي وكل ما يجول في ذهني كيف بي أن أعيش يومي ذلك متلذذة بأقصى مراحل السعادة داخلي فأنا لا أختلف عن كثير منكم – نود استثمار الفرص التي منحت لنا دون الكثير – وحينما تأتي أنت أيها الصباح  وتخبرني أنك تحمل الكثير من البشائر معك فأنا لا أطيق صبراً وأنكب عليك بكل ما أتيت من قوة وكذلك كل صباح آخر يقوم بمثل هذا العمل النبيل ..

لم يلبث قليلاً الا وطرح السؤال التالي .. هل فعلاً أنتِ ذات الشخص الذي تركك صديقي الليل بالأمس فقد أخبرني أنك كنتي غارقه في بحر همومك وأحزانك، وتتقلبين على ذلك اللحاف البائس المتجمد.          أجبته ..  بكل تأكيد، أنا ذاتي من الخارج ولكن حتماً انتحلت إحدى الشخصيات الأخرى والمتعددة داخلي … باختصار نعم أنا ما كنت عليه حينها أما الآن فهذه أنا التي أمامك .. كفى تعجباً ما كان قد فات ولن تنفع الآهات ..

أيها الصباح دون أن أبالغ أنا استيقظ في كل يوم شخصٌ آخر .. أعانق صباحي ذلك بقوة ولا أترك له المجال للرحيل قبيل أن أتشرب منه ما أريد وقبل رحيله ألقي عليه السلام وأتأهب لاستقبال صديقه المساء بذات الشغف وأكرر له المحادثة كاملة تماما كالتي دارت بيني وبينك لأزيل عنه علامات الاستفهام والتعجب، وهكذا أيضا صديقكم الآخر الليل.

أكرر هذه العملية مرات عدة لا أكاد أحصيها، لأني على يقين أن السعادة تتطلب منا مجهوداً أعظم بكثير من قرينتها ” التعاسة ” فهي تأتي تلقائية دون أدنى جهد مبذول .. عاهدت نفسي أن أعيش الإيجابية عوضاً عن التعايش بها ظاهرياً وحسب، وأن أنزوي قليلاً بين الفينة والأخرى لأبحث عميقاً عن أحد جوانب السعادة داخلي لأبدأ بتغذيتها رويداً رويداً فهي كالكلاب الضارية (أكرمكم الله) كلما توفر لها الغذاء كانت أشد قوة وأكثر ضراوة ولن تترك المجال للقرينة سوى أن تبحث لها عن زاوية تستند إليها في الوقت الذي تخور فيه قواها وتتلاشى لتصبح طريحة لا تحدث أي أثر هنا أو هناك.

 

أطيب تحية ..

امتنان برناوي … 

أنا بخير !!

هذا ما اعتدنا قوله في الكثير من المواضع وفِي حقيقة الامر قد لا نعني ذلك حقاً..

في مواقف ننطق بها لأننا نهتم جداً للطرف الآخر فنحن لا نريد أن نطلعه على الحقيقة كاملة حتى لا يتألم لشقاء قلوبنا فمهما كانت درجة شقائها شقاء من نحب يعد اكثر ايلاما لها ..

وقد نلفظها لنوهم أنفسنا بذلك رغبةً منا أن ينعكس على حالنا شعور الخير والرضا ثم الامتنان ..

وإما لأننا اعتدنا أن ننطق بها على أي حال بحسب ما غرس فينا أن غير ذلك يعد خطئا فتصبح مجرد أحرف متراصة تخرج من أفواهنا دون ارتباط أعمق بشعورنا ولا نعلم يقينا من العبرة خلفها ..

وقد نلفظها ونحن نقصدها حقا وعن يقين فعلي بها وهنا يكمن جمالها ..

على كل حال يا من تسمعها .. ان كنت مهتم أعقب ذلك بسؤال “هل فعلا انت بخير؟! “ ، وان وجدت نفس الاجابة فأعقبها بسؤالين ثلاث وأربع إن لزم الأمر .. ولكن أسمح لي أن أشاركك سراً .. قد تقتصر تلك المسألة بمجرد “إنصات متقن “ لا للكلمات وإنما للشعور المصاحب لها .. فأنت لا تعلم هذا العزيز الذي أمامك من اي صنف من القائلين ..

ليس كل ما نسمعه يعكس حال الناطق به .. حديثي هنا بعيد كل البعد عن الإطار الذي يتداوله ابائنا وأجدادنا على الرغم من صحة ما يقولون أنه على المؤمن أن يجيب بهذا فهو لا يود الاعتراض على قضاء الله على الرغم أن النطق لا يعني الوعي الكامل والاثبات المطلق داخلياً .. ولكن حديثي هنا ينصب على من يسمع ويتلقى ذلك الرد .. أكرر كل ذلك فقط ان كنت مهتم أما إن كان العكس فعذرا مررها وأكمل الطريق لأنني حتى ان بحت لك بشكل مباشر عما في نفسي لعلك لن تفهم لانك لا تود ذلك .. لا أشير إليك بأصابع الاتهام نظرا لان الاهتمام امر من القلب لا نستطيع إكراه الآخر عليه.

في الختام أنا بخير لأني اخترت الشعور بذلك وحينما عدت إلى نفسي لأتأكد من الأمر أحرجتني بسؤال  ” ألم تنظر إلى كل النعم التي لديك الآن، هلا أحصيتها؟! “ بدأت فعجزت فحمدت الله بكل خلية في جسدي قبل أن تكون مجرد كلمات متسلسلة.

 

أطيب تحية ..                                                                                                                             امتنان برناوي

 

 

تقبلني كما أنا وإلاّ ” فحل عني ” !!

 

في زحمة الحياة نتعارف ونكون العلاقات بيننا باختلاف أشكالها ومقاصدها ..

كل منا يحمل شخصية، أفكاراً مستقلة وحتى مبادئ وقيم منفردة بل ويحتفظ بعاداته الخاصة .. وقد يكون ذلك أول ما يجذبنا للآخر كونه مختلفاً عنا في كل ذلك لأن طبيعة الانسان ميالة لما هو مختلف عنها لحبها الدائم للاستطلاع ولفضولها ..  فسبحان من أوجد فينا هذا الاختلاف..

تنشأ العلاقة بين هذان المختلفان .. صنف منهم من هو منفتح تماماً كالكتاب سهل على الآخر التقليب بين صفحاته والانتقال بين ثنايا ماضيه، حاضره بل ومستقبله كيفما يشاء دون أي رادع له ..

ومنهم من هو كالمذكرة المغلقة بأحد المفاتيح السرية ما يستدعي بذل الوقت والجهد من قبل الطرف الآخر لحل العديد من الألغاز في سبيل بلوغ ذلك المفتاح ولكن ما إن يبلغه حتى يصبح هو أيضاً في متناوله، تماماً كصديقنا الأول ..

أما الصنف الأخير من البشر من هو مغلق بإحكام، ولكن لا يملك أدنى فكره أين يكمن مفتاح خزانته بذلك مهما بذل النصف الآخر من الوقت والجهد فهو لا يصل معه إلى شيء حتى يجدان نفسيهما في علاقة تكون أشبه بالسراب فكل منهما يعيش في عالم منفصل تماماً عن الآخر دون ارتباطٍ حقيقي يذكر ..

على كل حال لنعد الى الصنفان الأولان بعد أن تنعرض كافة التفاصيل هنا تنقضي الرغبة والفضول، عندها يتطرق البعض إلى تلك المرحلة الموجعة .. الملل ومن ثم الحاجة الملحة في محورة أحدهما الآخر في الصورة التي يريد، وإن عجز عن فعل ذك يبدأ بالطعن والتشكي على الرغم أنه لم يتغير شيء في صفات الآخر ..

عزيزي القارئ ما حدث هو التالي .. في بادئ الأمر كان يسيطر الفضول فولّد العمى والتغافل ما إن ينتهي كل ذلك حتى يبدأ البعض بالإشارة نحو النواقص .. هنا تبدأ المعارك الباردة بين الطرفان وقد تستمر لفترات طويلة فهم لا يريدان التنازل عن بعضهما البعض لزعمهم بأهمية العشرة لدى كلاهما .. وحيكم وما هذه العشرة التي لا تريدان فيها تقبل الآخر كما هو بحلته وبكل احترام منكم وفي حال وجد ما يستدعي الإصلاح كما هي طبيعة الحال إنما يكون ذلك بكل رقي وعقلانية ..

إياكم والتلويح عالياً بلواء العشرة بينما أنتم في الأسفل منشغلون بطعن بعضكم البعض ..

من هنا نقول .. تقبلني كما أنا وإلا فحل عني، وبالتحديد .. إن لم تود احترام ما لدي من نقص والأخذ بيدي رويداً ريداً من أجل العمل على إصلاح ذلك  ..

تقبل الآخر كما هو وإلا فترك المجال لمن هو أجدر به أن يتقبله باحترام كما هو ..

 

أطيب تحية .. 

صباح الرضا !!

 

حينما أشرقت شمس أحد الأيام أخذت الإذن من تلك الليلة أن تحل بعيداً وتتجلى بما تحمله.

أما إن تحدثنا  عن الواقع قليلاً فإن هناك أوقاتاً بل وأياماً تعجز الشمس عن هذه المهمة أو إن صح القول هي بريئة من ذلك ولكن يقوم أحدنا من فراشه ويقبل على يومه وهو لا يزال يحمل معه شعور الرفض بل أنه قد يقبل وهو مرتدي نظارة تختزل من العالم ألوانه الساحرة ويقضي يومه كاملاً بتلك الصورة حتى تأتي رسالة من الله عز وجل توقظه قليلاً وتعيده حيثما فقد معالم الطريق.

في ذلك اليوم .. قدمت امرأة في متوسط العمر، بنظرتي السطحية اعتقدت أنها لا تختلف عن غيرها بتاتاً، كنت أنظر اليها عبر تلك النافذة ولكن في الحقيقة لم أكن أبصر وجل ما كنت أقوم به تسليط بعض النظارات الخاطفة في سرحان تام داخل خيالي وعالمي الخاص وذلك اللون الرمادي الشاحب ..

فتح باب الحافلة واذا بخطواتها متذبذبة قليلاً .. ولكن حتى تلك اللحظة لازلت أنظر نحوها نظرات الجهل التام من خلف زجاج عدساتي المضببة .. دخلت الى الحافلة وهي تتحدث بنبرة صوت حادة وواضحة جداً ممسكة بكلبها ( أكرمك الله ) بيدها اليمنى في تحكم شديد منها .. وأنا لازلت جاهلة حتى طلبت بتلك النبرات الواضحة أحد المقاعد الأمامية في الحافلة .. هنا بدأت أخرج من عالمي ذلك  .. وأدركت محيطي ..

بخطوات واثقة توجهت نحوي امرأة كفيفة مبتسمة راضية حتى وصلت حيث تريد من الحافلة وأخذت موضعها .. هنا وفي تلك اللحظة فقط سقط الحجاب عن بصري وبصيرتي .. وأخذت أنظر وفي صمت عميق جداً.

عزيزي القارئ سأشاركك بما وقع في نفسي حينها ..

كيف بالرضا أن يكون غير مشروط بتاتاً لدى البعض؟! كيف بهم يقبلون على هذه الحياة من غير متطلبات ؟!

لوهلة شعرت برجفة قلبي خلف عظام صدري من خجله وندمه .. كل ما فعلته أني ابتسمت محاولة كسر ذلك الخجل الذي تسرب عميقاً في  داخلي على الرغم من أنها لن ترى ابتسامتي تلك ..

نظرت يساري وإذا بحبات الثلج تتساقط من خلف النافذة .. ختمت موقفي ذلك بأمنية حارة ( قبل أن تغادر عليك بروحي أيضاً ) مناجية حبات الثلج البيضاء تلك .. نعم لا شيء يساوي نقاء أرواحنا فهذا كفيل أن ييجعلنا ندرك لماذا نحن هنا الآن وحتى هذه اللحظة ..

هناك لحظات تكون كفيلة بولادتنا الجديدة لنخلدها بأقلامنا الدائمة لا الزائلة لأننا على الأرجح نحتاج إليها بين الحين والآخر..

أطيب تحية ..