أكْرِمها

حالياً يا صديقي أنا جالسة في مكان عام، احتسي مشروبي المفضل هذي الفترة (في حال سألت فهو ice chai latte ) وأتأمل الأشخاص من حولي. بجانبي الأيمن امرأة أربعينية على ما تبدو، يُخيل لي أنها منهمكة في تفقد حال المجتمع من خلال التنقل بين وسائل التواصل المختلفة بينما ترتشف تلك القهوة السوداء الباردة .. أما بجانبي الأيسر هناك شابة تبو عشرينية، أمامها جهازها المحول ودفتر، الظاهر لي أنها تحاول العمل على مشروع حساس جداً لأنه يرتسم على محياها الجدية التامة، تارة تميل رأسها إلى اليمين وأخرى إلى اليسار وكأنها تحاول تحليل تلك الفكرة حتى تعرف من أين تبدأ وماذا تفعل. أما أمامي مباشرة ذلك الثلاثيني، أراه يقرأ بعض المقالات ويحدد بعض العبارات المثيرة أو المهمة بذلك اللون الأصفر من شدة أهمية العبارات التي يقرأها. فعلاً كلٌ منا في عالمه المصغّر.

وأنا اتأمل حالهم باغتني سؤال عابر .. أكرمنا المولى بهذا العقل المتفكر والمتدبر فكيف بنا نحن عبيده أن نشكره على هذا الجميل؟ سرحت بعيداً لبرهة لعلني أجد إجابة لهذا السؤال ..

بعد دقائق معدودة ابتسمت لاني أدركت جزء من الاجابة .. ولأنك يا صديقي القارئ تحتل مكانة في داخلي أود أن أشاركك ما توصلت إليه..

إكرامها يكون في تطويرها .. إكرامها يكون في استغلال الوقت والمصادر المتاحة لتحسينها .. إكرامها يكون ببذل ما نستطيع لإكتساب عادات جديدة ومفيدة .. إكرامها يكون بتسخيرها حتى تعمل وتتفكر في خلقه .. إكرامها يكون بحبك لها حباً غير مقننْ أو مرهون بظروف محددة.

الملصق الذهبي لم يعد يستفزنا

يا صديقي تفتكر أيام الطفولة ، تعود من صفوف الدراسة وقد غمرك الحماس لتنفيذ ما طلبه مدرسك فقد وعدكم بالحلوى أو تلك النجمة الذهبية. بعد فترة الصفوف الدنيا تصبح الجائزة أغلى ثمناً حتى يستفز حماسك ذلك المدرس. أخيراً وليس آخراً مراحل الصفوف الدراسية الأخيرة يبذل معلمك مجهوداً جباراً ليجذبك نحو العمل على مشروعك أو تقديم مادة علمية لقرنائك. في كل الأحوال لازال يوجد ما يستفز رغبتك الجامحة لنيل الجائزة بشكل أو بالآخر.

أما الآن فأنت من يطلق عليه “البالغ العاقل الراشد” باعتقادي أن هذا الوصف مربوط بتكوين ذلك الدرع العجيب. تصبح صعب المنال وغايتك تكاد تكون لا تُدرك. يعرض عليك مديرك بعض الترقيات، تفكر في الأمر مراراً وتكراراً قبل الموافقة فلم تعد الترقية تستفز حماسك كما كان يفعل الملصق في الماضي. أما إن اتخذت القرار أن تقبل عرضه عليك فقرارك هذا يكون على مضض وبعد الكثير من التردد.

في زاوية أخرى هناك من ابتغى العلم بغرض الإرتقاء فتجده عاد إلى تلك المقاعد ولكن بعد أن قسى جلده، وها هو مشرفه الدراسي أو مرشده التربوي يعرض عليه تلك المؤتمرات العالمية والإجتماعات الدولية ليكون جزءاً منها في المستقبل واذا به ينظر إليهم ويقول بصمت .. ويحك ولماذا كل ذلك؟

يا صديقي .. ما الذي حدث ؟

يا صديقي .. أين الشغف ؟

أتعبت أرواحنا هذا السعي ؟

فقدت نفسي وما السبيل لأجدها

يالله يا صديقي كم هو مؤلم الشعور بالتوهان وانعدام الهوية بغض النظر عما تحمل هذه الكلمات من معنى في داخلك. قد تكون هذه الكلمات ما يوصف حالك أيام وليالي ماضية، وقد تكون في عمق هذا الشعور اليوم. أنا على يقين تام أنه مهما وضحت رؤيتك سوف تمر بمرحلة التخبط الشديد. الآن أصبحت مؤمنة تماماً أن هذا الشعور هو ما يثبت إنسانيتنا، بمعنى أنه واقع لا محالة.

مؤلم وموجع جداً، تمشي في الطرقات وتسأل نفسك من أنا؟ في طريقك لمقعدك الدراسي، أو وظيفتك، تتسائل وما الفائدة من ذلك؟ بل وتستفهم إلى متى؟ آآه موجع جداً. تفقد الأشياء ألوانها، ويفقد الطعام نكهته، حتى قهوتك تفقد مرارتها لأن هناك ما تخطاها مرارة.

أنت الآن قد تكون ارتطمت مباشرة بالقاع، ولكن هنيئا لك! لأنه لا يوجد ما هو أسوء، أما الآن لتستعد للفرج. استسعد للوضوح، استعد للنهوض وبقوة بإذن الله.

من كان يعتقد أن فقدان النفس أنك تصبح لا تتذكر ما هو اسمك، فهذا غير صحيح، هذا يا صديقي مرض الزهايمر، أحد مواصفاته فقدان الذاكرة. أما فقدان النفس يكون عندما تنهل عليك التسائلات من كل منحنى وتكون تفتقر للأجوبة. أنت لا تعرف ما انت صانع ولماذا؟

كيف بك أن تجدها الآن (نفسك)؟ تحدث معها، عليك بالورقة والقلم ففي جعبتك الكثير مما خنق تفكيرك. اعطي نفسك الوقت كيف تبحث وتتعمق في الداخل. آآآه كم هو جميل ذلك الشعور حينما تكون في قمة اختلائك ومنشغل بطرح الأسئلة ثم تنهل عليك الأفكار وما يصاحبها من مشاعر كبيرة جدا حتى القلم قد يعجز عن وصفها أحياناً، لأنك في قمة نشوتك.

اعلم يا رفيقي أن الحقيقة تقول قد يستغرق هذا الأمر أيام.. أشهر وحتى سنوات في بعض الأحيان. لن أقول لك استمتع بالرحلة لأنها قد تكون من أثقل الرحلات نفسياً ولكنها تستحق كل هذا العناء والصبر. تذكر النور في آخر النفق.

كلي رجاء وأمل أنك سوف تبحر عميقاً في أرجائها (نفسك) وهناك الكثير في انتظارك، أما البشارة مني أنا، ستصل لعمقها في يوم من الأيام. أرجوك كن صديقها حينما تجدها وارحم بها حتى لا تفقدها للأبد.