كما هي العادة أمسكت بالقلم لأني كنت على يقين أن في جعبتي الكثير والكثير لأعبر وأبوح به.
في كل مرة حينما تحين لحظة الكتابة كل ما علي القيام به حمل أسلحتي والتي تتمثل في الورقة والقلم ثم اللجوء إلى المكان الذي أجد فيه نفسي ولا ألبث أن أقضي لحظات بسيطة فقط حتى أجد أن قلمي سطر العديد من الكلمات ما قد أعجز عن إحصائه بكل ما جال في ذهني وتخبط في جعبتي، وحتى ما سكن حجيرات قلبي، بل ما أشعر به حينها يتحول إلى كلمات وليست كأي كلمات فهي تجسدني وبقوة.
هذه المرة لجأت إلى طقوسي الكتابية وانزويت قليلاً ولكن لم تكن كغيرها، حينما أمسكت قلمي وجدت نفسي عاجزة بل أن ورقتي ضلت فارغة وفي نفس صورتها بعد زمن من عزلتي فلا كلمات تملأ تلك الصفحات، في تعجب مني اعتقدت أن القلم جف، فلم يكن بيدي حيلة سوى أن ألقي به وأحضر آخراً على أمل مني أن تنقضي المشكلة، قمت بذلك ولكن كانت المفاجئة حينما نظرت إلى ورقتي وجدتها لا تزال كالصحراء الجرداء ليس عليها أي آثار من قلمي.
أخذت بإلقاء الأقلام الواحد تلو الآخر فلا زلت مقتنعة تماما بجفافها وعدم صلاحيتها في إظهار ما بداخلي، قضيت على جميع الأقلام التي لدي واستعرت واحداً.. ولكن هو أيضاً لم يعطني شيئاً مما أملت.
تركت كل شيء ولجأت إلى الصمت قليلاً ونظرت لعل المشكلة داخلي وأن الأسلحة ما هي إلا وسائل إن أجدنا استخدامها خدمتنا وإن لم نفعل خذلتنا .. بعد التفكير ملياً أدركت الواقع الذي تهربت منه كثيراً.. المشكلة تكمن في جعبتي، أدركت حينها أن المشاعر تمردت، تزايدت حتى تشبعت وتشربها عقلي، عانقت داخلي فأبت الخروج لأني أهملتها وتجاهلتها كثيراً فلم يكن لها إلاّ أن تتمرد وتسيطر، فعوضاً عن أني أطوعها فيما أريد وكيفما أشاء هي من طوعتني حينما طلبتها رفضت وصدت .. حتى عندما اعتصرتها وحاولت ارغامها لم يحدث شيء سوى أنه ازداد طغيانها .. أدركت حقيقة براءة تلك الأقلام فهي لم تنضب من الحبر حتى كلماتي بريئة مما حصل كل وجل ما احتجته مصارحة مع الذات بل مواجهة حتى تطيب تلك المشاعر وتستقر.
لا تغتر بتلك المشاعر .. أنك تملك الكثير والكثير لتعبر به وتبوح عنه فقد تخونك جميعها حينما تصبح هي المسيطرة عوضاً عنك أنت. كل منا بحاجة إلى العزلة وحديث عميق مع الذات فليس هناك أحد من البشر أحق بهذا الوقت منها.
أطيب تحية ..